بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال (2/4)
Tevekkül ehlinin sebeplere bağlanma hallerinin bir misalle beyanı (2/4)
وبأمثاله سنة الله تعالى في تدريج الأمور كما قال عليه السلام إن الله خمر
طينة آدم بيده أربعين صباحا (1) لآن استحقاق تلك الطينة التخمر كان موقوفا
على مدة مبلغها ما ذكر فإذن ما وراء السنة لا يدخر له إلا بحكم ضعف القلب
والركون إلى ظاهر الأسباب فهو خارج عن مقام التوكل غير واثق بإحاطة التدبير
من الوكيل الحق بخفايا الأسباب فإن أسباب الدخل في الارتفاعات والزكوات
تتكرر بتكرر السنين غالبا ومن ادخر لأقل من سنة فله درجة بحسب قصر أمله ومن
كان أمله شهرين لم تكن درجته كدرجة من أمل شهرا ولا درجة من أمل ثلاثة أشهر
بل هو بينهما في الرتبة ولا يمنع من الادخار إلا قصر الأمل فالأفضل أن لا
يدخر أصلا وإن ضعف قلبه فكلما قل ادخاره كان فضله أكثر وقد روي في الفقير
الذي أمر صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه وأسامة أن يغسلاه فغسلاه
وكفناه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر
ليلة البدر ولولا خصلة كانت فيه لبعث ووجهه كالشمس الضاحية قلنا وما هي يا
رسول الله قال كان صواما قواما كثير الذكر لله تعالى غير أنه كان إذا جاء
الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه وإذا جاء الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه ثم قال
صلى الله عليه وسلم بل أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر (2) الحديث وليس
الكوز والشفرة وما يحتاج إليه على الدوام معنى ذلك فإن ادخاره لا ينقص
الدرجة وأما ثوب الشتاء فلا يحتاج إليه في الصيف وهذا في حق من لا ينزعج
قلبه بترك الادخار ولا تستشرف نفسه إلى أيدي الخلق بل لا يلتفت قلبه إلا
إلى الوكيل الحق فإن كان يستشعر في نفسه اضطرابا يشغل قلبه عن العبادة
والذكر والفكر فالادخار له أولى بل لو أمسك ضيعة يكون دخلها وافيا بقدر
كفايته وكان لا يتفرغ قلبه إلا به فذلك له أولى لأن المقصود إصلاح القلب
ليتجرد لذكر الله ورب شخص يشغله وجود المال ورب شخص يشغله عدمه والمحذور ما
يشغل عن الله عز وجل وإلا فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها
ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصناف الخلق وفيهم التجار
والمحترفون وأهل الحرف والصناعات فلم يأمر التجار بترك تجارته ولا المحترف
بترك حرفته ولا أمر التارك لهما بالاشتغال بهما بل دعا الكل إلى الله تعالى
وأرشدهم إلى أن فوزهم ونجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى الله تعالى
وعمدة الاشتغال بالله عز وجل القلب فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن
صواب القوي ترك الادخار
وهذا كله حكم المنفرد فأما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة
لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم وادخار أكثر من ذلك مبطل للتوكل لأن
الأسباب تتكرر عند تكرر السنين فادخاره ما يزيد عليه سببه ضعف قلبه وذلك
يناقض قوة التوكل فالمتوكل عبارة عن موحد قوي القلب مطمئن النفس إلى فضل
الله تعالى واثق بتدبيره دون وجود الأسباب الظاهرة وقد ادخر رسول الله صلى
الله عليه وسلم لعياله قوت سنة (1) ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر له شيئا
لغد (2) ونهى بلالا عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها فقال صلى
الله عليه وسلم أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا (3) وقال صلى الله
عليه وسلم إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ (4) إقتداء بسيد
المتوكلين صلى الله عليه وسلم وقد كان قصر أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع
قرب الماء ويقول ما يدريني لعلي لا أبلغه (5) وكان صلى الله عليه وسلم لو
أخر لم ينقص ذلك من توكله إذ كان لا يثق بما ادخره ولكنه عليه السلام ترك
ذلك تعليما للأقوياء من أمته فإن أقوياء أمته ضعفاء بالإضافة إلى قوته
وادخر عليه السلام لعياله سنة لا لضعف قلب فيه وفي عياله ولكن ليسن ذلك
للضعفاء من أمته بل أخبر إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى
عزائمه (6) تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط
فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات فما أرسل رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم
ودرجاتهم وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ويدل
على ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن فقال
صلى الله عليه وسلم فتشوا ثوبه فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال صلى
الله عليه وسلم كيتان (7) وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا
يقول ذلك في حقه وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين أحدهما أنه أراد
كيتين من النار كما قال تعالى تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم وذلك إذا
كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس والثاني
أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما ينقص
من جمال الوجه أثر كيتين في الوجه وذلك لا يكون عن تلبيس فإن كل ما يخلفه
الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا نقص
بقدره من الآخرة وأما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من
ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روي عن بشر قال الحسين المغازلي من أصحابه
كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين فقام إليه
بشر قال وما رأيته قام لأحد غيره قال ودفع إلي كفا من دراهم وقال اشتر لنا
من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب وما قال لي قط
مثل ذلك قال فجئت بالطعام فوضعته فأكل معه وما رأيته أكل مع غيره قال
فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير فأخذه الرجل وجمعه في ثوبه وحمله
Türkçe Tercüme
المتوكلون بضرب المثال - حالهم في تعلقهم بالأسباب
الله تعالى سننه هذا يجري في تدرج الأمور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحًا". فاستحقاق تلك الطينة للتخمر كان موقوفًا على مدة معينة، فما يزيد عن السنة لا يحفظ إلا بضعف القلب والركون إلى ظاهر الأسباب، وهذا خارج عن مقام التوكل. من لم يثق بتدبير الوكيل الحق وإحاطته بخفايا الأسباب، فقد ضعُف توكله. إن أسباب الرزق والدخل تتكرر بتكرر السنين، فمن ادخر لأقل من سنة فله درجة بحسب قِصَر أمله. من كان أمله شهرين ليست درجته كمن أمله شهرًا أو ثلاثة أشهر، بل هو بينهما في الرتبة. الادخار يضر فقط من قصّر أمله، والأفضل ألا يدخر أحد. وإن ضعُف قلبه فكلما قلّ ادخاره كان أفضل.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا وأسامة أن يغسلا فقيرًا، فغسلاه وكفناه ببردته. ولما دفنه قال للصحابة: "إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ولولا خصلة فيه لبعث ووجهه كالشمس الضاحية". قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "كان صوّامًا قوّامًا كثير الذكر لله تعالى، غير أنه إذا جاء الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه، وإذا جاء الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه". ثم قال: "بل أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر". والكوز والشفرة وما يحتاج إليه دائمًا لا يدخل في هذا الحكم، فادخاره لا ينقص الدرجة. أما ثوب الشتاء فلا يحتاج إليه في الصيف.
هذا في حق من لا ينزعج قلبه بترك الادخار، ولا تستشرف نفسه إلى أيدي الخلق، بل قلبه معلق بالوكيل الحق وحده. أما من يشعر باضطراب يشغل قلبه عن العبادة والذكر، فالادخار له أولى. بل لو أمسك ضيعة يكفيه دخلها ولا يتفرغ قلبه إلا بها، فذاك أولى له، لأن المقصود إصلاح القلب ليتجرد لذكر الله. بعض الناس يشغله وجود المال، وبعضهم يشغله عدمه. المحذور ما يشغل عن الله عز وجل. الدنيا نفسها ليست محذورة، لا وجودها ولا عدمها.
لذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصناف مختلفة فيهم التجار والمحترفون. لم يأمر التجار بترك تجارتهم ولا المحترفين بترك حرفتهم. دعا الكل إلى الله وأرشدهم أن نجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا. عمدة التوكل هو القلب، فالضعيف محق في الادخار بقدر حاجته، والقوي محق في ترك الادخار.
هذا كله في حق المنفرد. أما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبرًا لضعفهم وتسكينًا لقلوبهم. أما الادخار أكثر من ذلك فمبطل للتوكل، لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين. فالمتوكل هو الموحد قوي القلب، مطمئن النفس إلى فضل الله، واثق بتدبيره دون الأسباب الظاهرة.
ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة، ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر له شيئًا لغد. ونهى بلالًا عن ادخار كسرة خبز أراد الإفطار عليها، فقال: "أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالًا". وقال: "إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ". اقتداء بسيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم. وكان قصر أمله بحيث إذا بال تيمّم مع قرب الماء ويقول: "ما يدريني لعلي لا أبلغه". لو أخّر لم ينقص ذلك من توكله، إذ لم يكن يثق بما ادخره، لكنه ترك ذلك تعليمًا للأقوياء من أمته. ادخر لعياله سنة لا لضعف قلب، لكن ليسن ذلك للضعفاء. أخبر أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، تطييبًا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس فيتركوا الخير بعجزهم. ما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم باختلاف أصنافهم ودرجاتهم.
إذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر.
Yapay zekâ destekli tercümedir; ilmî çalışmalar için aslına başvurunuz.