بيان صفة الدنيا بالأمثلة (1/3)
Dünyanın niteliğinin örneklerle beyanı (1/3)
اعلم أن الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء ثم تخلف في
الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة
ارتحالا سريعا ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها وإنما يحس
عند انقضائها ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر
لا تدرك حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة ولما ذكرت الدنيا عند
الحسن البصري رحمه الله أنشد وقال
أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع
وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يتمثل كثيرا ويقول
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... إن اغترارا بظل زائل حمق
وقيل إن هذا من قوله ويقال إن أعرابيا نزل بقوم فقدموا إليه طعاما فأكل
ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه
فقام وهو يقول
ألا إنما الدنيا كظل ثنية ... ولا بد يوما أن ظلك زائل
وكذلك قيل
وإن امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
مثال آخر للدنيا من حيث التغرير بخيالاتها ثم الإفلاس منها بعد إفلاتها
تشبه خيالات المنام وأضغاث الأحلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون (1) وقال يونس بن عبيد ما شبهت
نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك
إذ انتبه فكذلك الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فإذا ليس بأيديهم شيء مما
ركنوا إليه وفرحوا به وقيل لبعض الحكماء أي شيء أشبه بالدنيا قال أحلام
النائم
مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها لبنيها اعلم أن طبع الدنيا
التلطف في الاستدراج أولا والتوصل إلى الإهلاك آخرا وهي كامرأة تتزين
للخطاب حتى إذا نكحتهم ذبحتهم وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا
فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها كم تزوجت قالت لا
أحصيهم قال
فكلهم مات عنك أم كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلت فقال عيسى عليه السلام
بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدا
بعد واحد ولا يكونون منك على حذر
مثال آخر للدنيا في مخالفة ظاهرها لباطنها اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر
قبيحة السرائر وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على
باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا
من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها
وقال العلاء بن زياد رأيت في المنام عجوزا كبيرة متعصبة الجلد عليها من
كل زينة الدنيا والناس عكوف عليها معجبون ينظرون إليها فجئت ونظرت وتعجبت
من نظرهم إليها وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أو ما تعرفني قلت
لا أدري من أنت قالت أنا الدنيا قلت أعوذ بالله من شرك قالت إن أحببت أن
تعاذ من شري فابغض الدرهم قال أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا في النوم عجوزا
مشوهة شمطاء تصفق بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت
بحذائي أقبلت علي فقالت لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو
بكر وقال رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد وقال الفضيل بن عياض قال ابن عباس
يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية ومشوه
خلقها فتشرف على الخلائق فيقال لهم أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من
معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تناحرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها
تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها في جهنم فتنادي أي رب أين أتباعي
وأشياعي فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها وقال الفضيل بلغني
أن رجلا عرج بروحه فإذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة من الحلي
والثياب وإذا لا يمر بها أحد إلا جرحته فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه
الناس وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس عجوز شمطاء زرقاء عمشاء قال
فقلت أعوذ بالله منك قالت لا والله لا يعيذك الله مني حتى تبغض الدرهم قال
فقلت من أنت قالت أنا الدنيا
مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها اعلم أن الأحوال ثلاثة حالة لم تكن
فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا
وهي ما بعد موتك إلى الأبد وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيام حياتك
في الدنيا فانظر إلى مقدار طولها وانسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم
أنه أقل من منزل قصير في سفر بعيد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مالي
وللدنيا وإنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت شجرة فقال
تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها (1)
ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر
وضيق أو في سعة ورفاهية بل لا يبني لبنة على لبنة
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على
قصبة (2)
ورأى بعض الصحابة يبني بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا وأنكر ذلك
(3) وإلى هذا أشار عيسى عليه السلام حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها ولا
تعمروها وهو مثال واضح فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة والمهد هو الميل
الأول على رأس القنطرة واللحد هو الميل الآخر
وبينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها
ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها
وكيفما كان فلا بد له من العبور والبناء على القنطرة وتزيينها بأصناف
الزينة وأنت عابر عليها غاية الجهل والخذلان
مثال آخر للدنيا في لين موردها وخشونة مصدرها اعلم أن أوائل الدنيا تبدو
هينة لينة يظن الخائض فيها أن حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها وهيهات فإن
Türkçe Tercüme
اعلم أن الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء؛ تعد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء. تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيراً عنيفاً ومرتحلة ارتحالاً سريعاً؛ ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يحس عند انقضائها. ومثالها الظل؛ فإنه متحرك ساكن: متحرك في الحقيقة، ساكن الظاهر؛ لا تدرك حركته بالبصر الظاهر، بل بالبصيرة الباطنة.
ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله أنشد وقال: "أحلام نوم أو كظل زائل... إن اللبيب بمثلها لا يخدع"
وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يتمثل كثيراً ويقول: "يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها... إن اغتراراً بظل زائل حمق"
وقيل إن هذا من قوله. ويقال إن أعرابياً نزل بقوم فقدموا إليه طعاماً فأكل، ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك. فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس، فانتبه فقام وهو يقول: "ألا إنما الدنيا كظل ثنية... ولا بد يوماً أن ظلك زائل"
وكذلك قيل: "وإن امرأ دنياه أكبر همه... لمستمسك منها بحبل غرور"
مثال آخر للدنيا من حيث التغرير بخيالاتها ثم الإفلاس منها بعد إفلاتها: تشبه خيالات المنام وأضغاث الأحلام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون"
وقال يونس بن عبيد: ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذ انتبه. فكذلك الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به.
وقيل لبعض الحكماء: أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: أحلام النائم.
مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها لبنيها: اعلم أن طبع الدنيا التلطف في الاستدراج أولاً والتوصل إلى الإهلاك آخراً؛ وهي كامرأة تتزين للخطاب حتى إذا نكحتهم ذبحتهم.
وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أم كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت. فقال عيسى عليه السلام: بؤساً لأزواجك الباقين! كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم واحداً بعد واحد ولا يكونون منك على حذر؟
مثال آخر للدنيا في مخالفة ظاهرها لباطنها: اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر قبيحة السرائر؛ وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها، فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها.
وقال العلاء بن زياد: رأيت في المنام عجوزاً كبيرة متعصبة الجلد عليها من كل زينة الدنيا، والناس عكوف عليها معجبون ينظرون إليها. فجئت ونظرت وتعجبت من نظرهم إليها وإقبالهم عليها، فقلت لها: ويلك! من أنت؟ قالت: أو ما تعرفيني؟ قلت: لا أدري من أنت. قالت: أنا الدنيا. قلت: أعوذ بالله من شرك. قالت: إن أحببت أن تعاذ من شري فابغض الدرهم.
قال أبو بكر بن عياش: رأيت الدنيا في النوم عجوزاً مشوهة شمطاء تصفق بيديها، وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون. فلما كانت بحذائي أقبلت علي فقالت: لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء. ثم بكى أبو بكر وقال: رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد.
وقال الفضيل بن عياض: قال ابن عباس: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية ومشوه خلقها، فتشرف على الخلائق فيقال لهم: أتعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه! فيقال: هذه الدنيا التي تناحرتم عليها، بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم
Yapay zekâ destekli tercümedir; ilmî çalışmalar için aslına başvurunuz.